محمد عزة دروزة

422

التفسير الحديث

« 2 » وتمثيلا لنوره بما يمكن أن يفهمه الناس من مشاهد الدنيا وأمثلتها تقريبا لأذهانهم : فنوره مثل نور زيت شجرة الزيتون المباركة التي نبتت في أحسن البقاع وأكثرها اعتدالا ، فليست في أقصى الشرق فتشتد عليها حرارة الشمس ولا في أقصى الغرب فتشتد عليها البرودة ، فجاء زيتها نقيا صافيا وقد وضع في زجاجة صافية بيضاء لامعة كأنها كوكب دري . وقد وضع المصباح في الزجاجة ووضعت الزجاجة في مشكاة . والمصباح يوقد من ذلك الزيت النقي الصافي الذي يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ويكون نورا لغيره الموضوع في تلك الزجاجة التي كأنها كوكب دريّ بلمعانها وصفائها . وهذا مثل نور اللَّه الذي هو نور في ذاته ونور لغيره . « 3 » وتعقيبا على هذا التمثيل بأن اللَّه إنما يهدي لنوره من يشاء وأنه يضرب الأمثال للناس ليتدبروها وأنه العليم بكل شيء ومقتضيات كل شيء . والمتبادر لنا كذلك أن الآية من حيث الإجمال أسلوب من أساليب تقريرات القرآن لعظمة ذات اللَّه وآثاره الباهرة الظاهرة في السماوات والأرض . وقد استهدفت تقرير كون نور اللَّه وهداه في آياته قد بلغا من الظهور والسطوع والصفاء والسناء أقصى الغايات ، فإذا لم يهتد بهما أحد ما فلن يكون ذلك بسبب غموض أو خفاء أو ضعف نور وجلاء فيهما ، وإنما يكون بسبب قصور فيه . فاللَّه إنما يهدي لنوره من يشاء ممن حسنت نياتهم وطابت سرائرهم ولم يتعمدوا الضلال والغواية . أما خبثاء النية والطوية المعاندون المكابرون فهم عمي لا يبصرون نور اللَّه فلا يهتدون به . ولعلّ في الآيات التالية قرائن مؤيدة لهذا التوجيه إن شاء اللَّه . ولقد صرف بعض المؤولين من التابعين على ما ورد في بعض كتب التفسير الضمير الغائب في * ( نُورِه ) * إلى المؤمن . وقالوا إن الآية مثل ضربه اللَّه للمؤمن . ولكن الجمهور على أنه نور اللَّه تعالى . وهذا هو الأوجه المتسق مع نصّ الآية .